محمد بن جرير الطبري

24

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

، فيعلم بذلك أنه عنى بقوله : قالَ كَبِيرُهُمْ فإذا كان ذلك كذلك فلم يبق إلا الوجه الآخر ، وهو الكبر في السن ، وقد قال الذين ذكرنا جميعا : روبيل كان أكبر القوم سنا ، فصح بذلك القول الذي اخترناه . وقوله : أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ يقول : ألم تعلموا أيها القوم أن أباكم يعقوب قد أخذ عليكم الله ومواثيقه لنأتينه به جميعا ، إلا أن يحاط بكم ، ومن قبل فعلتكم هذه تفريطكم في يوسف ؛ يقول : أو لم تعلموا من قبل هذا تفريطكم في يوسف . وإذا صرف تأويل الكلام إلى هذا الذي قلناه ، كانت " ما " حينئذ في موضع نصب . وقد يجوز أن يكون قوله : وَمِنْ قَبْلُ ما فَرَّطْتُمْ فِي يُوسُفَ خبرا مبتدأ ، ويكون قوله : أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ خبرا مبتدأ ، " ما " حينئذ في موضع رفع ، كأنه قيل : ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف ، فتكون " ما " مرفوعة ب " من " قبل هذا ، ويجوز أن تكون " ما " التي تكون صلة في الكلام ، فيكون تأويل الكلام : ومن قبل هذا تفريطكم في يوسف . وقوله : فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ التي أنابها وهي مصر فأفارقها ، حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي بالخروج منها ، كما : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ التي أنا بها اليوم ، حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي بالخروج منها حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : قال شمعون فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ وقوله : أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي : أو يقضي لي ربي بالخروج منها وترك أخي بنيامين ، وإلا فإني غير خارج : وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ يقول : والله خير من حكم وأعدل من فصل بين الناس . وكان أبو صالح يقول في ذلك بما : حدثني الحسين بن زيد السبيعي ، قال : ثنا عبد السلام بن حرب ، عن إسماعيل بن أبي خالد ، عن أبي صالح في قوله : حَتَّى يَأْذَنَ لِي أَبِي أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي قال : بالسيف وكأن أبا صالح وجه تأويل قوله : أَوْ يَحْكُمَ اللَّهُ لِي إلى : أو يقضي الله لي بحرب من منعني من الانصراف بأخي بنيامين إلى أبيه يعقوب ، فأحاربه . القول في تأويل قوله تعالى : ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا يقول تعالى ذكره مخبرا عن قيل روبيل لإخوته حين أخذ يوسف أخاه بالصواع الذي استخرج من وعائه : ارْجِعُوا إخوتي إِلى أَبِيكُمْ يعقوب فَقُولُوا له يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ بنيامين سَرَقَ . والقراءة على قراءة هذا الحرف بفتح السين والراء والتخفيف : إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وروي عن ابن عباس : " إن ابنك سرق " بضم السين وتشديد الراء ، على وجه ما لم يسم فاعله . بمعنى : أنه سرق . وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك ، فقال بعضهم : معناه : وما قلنا إنه سرق إلا بظاهر علمنا بأن ذلك كذلك ، لأن صوع الملك أصيب في وعائه دون أوعية غيره . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا سلمة ، عن ابن إسحاق : ارْجِعُوا إِلى أَبِيكُمْ فإني ما كنت راجعا حتى يأتيني أمره ، فَقُولُوا يا أَبانا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا : أي قد وجدت السرقة في رحله ، ونحن نمطر لا علم لنا بالغيب . وَما كُنَّا لِلْغَيْبِ حافِظِينَ وقال آخرون بل معنى ذلك : وما شهدنا عند يوسف بأن السارق يؤخذ بسرقته إلا بما علمنا . ذكر من قال ذلك : حدثني يونس ، قال : أخبرنا ابن وهب ، قال : قال ابن زيد : قال لهم يعقوب عليه السلام : ما يدري هذا الرجل أن السارق يؤخذ بسرقته إلا بقولكم ؟ فقالوا : ما شَهِدْنا إِلَّا بِما عَلِمْنا لم نشهد أن السارق يؤخذ بسرقته إلا وذلك الذي علمنا . قال : وكان الحكم عند الأنبياء يعقوب وبنيه أن يؤخذ السارق بسرقته عبدا فيسترق وقوله : وَما كُنَّا